عن من نأخذ العلم..؟!!
عن من نأخذ العلم..؟!!!
تعتبر
دائرة العلم الأوسع في حياتنا والتي تضم مختلف أنواع واصناف العلوم والمعارف داخل محيطها, بل
ان لها قابلية للاتساع اكثر فاكثر وذلك عن طريق طلب العلم والاستزادة منه, كيف ورب
العالمين بدأ بالعلم اول شيء بعد خلق آدم عليه السلام بقوله تعالى ((وَعَلَّمَ
آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)) سورة البقرة، آية (٣١ ) , فالعلم من أسمى الرسالات التي خلق الله البشر من
اجلها والتي حثّت عليها الأديان والكتب السماوية.
ان
مسألة طلب العلم أمر غاية في الأهمية, ليس امرا ثانويا بل ان أمره مرتبط بالإيمان
فالعلم والايمان وجهان لعملة واحدة, بالعلم تزهو الحياة وتزدهر الأمم وتصل الى
امجادها التي ترنو اليها, فعلى المجتمع ككل الاهتمام بأمور العلم والتعلم وان يعطي
الحظ الاوفر منه في المراحل المبكرة لأبنائنا, فهم ثمار غرسنا وازهار ربيعنا, وتكريس
مهمة التعلم في ادمغة صغارنا هو من يجعلنا نجني منهم علما طيبا يعود علينا وأمتنا
بالخير والعطاء.
وبهذا الحديث رسالة مني للآباء والامهات للاهتمام
بتعليم أولادهم فهم يلازمونكم طيلة الوقت فعليكم الاستثمار بهم, فهم الاحق
بالاستثمار لأنه مشروع رابح لا محالة, فازرعوا خيرا بهم لتحصدوا خيرا واقصد بالخير
الذي تزرعونه العلم ,المعرفة, الاخلاق, السلوك والمبادئ, فان كان هذا ما زرعتم
فانه نتاج زرعكم سيكون وافرا ومباركا.
ان
العلم لا يقتصر على نوع محدد بعينه بل هو بشتى انواعه واصنافه كعلوم الدين
والفلسفة والحساب والهندسة والطب والعلوم الكونية وغيرها من العلوم التي يفيد
دراستها تقدم المجتمعات وتسهيل الحياة على الناس, فهناك العديد من العلماء والكتب
التي تحتضن في طياتها الكثير من اسرار العلوم والمعارف التي تجعل قارئها يخوض في
معارك التعلم وغايته الفهم والادراك لكن الكتاب وسيلة للقراءة والمطالعة فقط وليس الطريقة
المثلى للتعلم والفهم المنشود; لأنه قد هذه الكتب معلومات خاطئة لم تحدث بعد او
افتراءات على الدين أو العلم والعلماء، أو قد يفهم منها أشياء على خلاف ما هي عليه.
والكارثة
العظمى من أخذ العلوم من بطون الكتب بلا معلمين هو الخوف من البعض إساءة فهم بعض ما جاءت به واطلاق العنان لأهوائهم للبدء
بالتفسير والتحليل بحسب آرائهم وشهواتهم, وعندها يتقحمون بوابة العلم بغير حق وهذه
هي مشكلة هذا العصر التي تسببت بظهور الكثير ممن يسمون انفسهم بالمفكرين
وانا سأضيف كلمة أخرى ليكتمل المعنى "المفكرين الصحفيين" وهنا اضفت كلمة
الصحفيين كمعنى لغوي وليس اعتداء على مهنة الصحافة (أي انهم يأخذون العلم من الكتب
وليس عن معلم), وتراهم يعتلون المنابر ويترامون امام شاشات الفضائيات ومواقع
التواصل الاجتماعي ويخوضون في المجالس بحديث وهم ليسوا بأصحاب علم او اختصاص, فنجد
احدهم يناقش ويجادل في جميع أنواع العلوم لئلا يقول "لا اعلم" وهو في
حقيقة الامر لا يعلم حقا وانما يردد كلاما قرأه او فسره من تلقاء نفسه.
ان
المؤسف عندما نرى شبابنا وبناتنا ينساقون الى هؤلاء بسبب الاعجاب بهم وبمنطقهم
وكلامهم المنمق الذي يخدعون به الناس ليلبسوا انفسهم عباءة العلم المزيفة وليس لهم
من العلم شيء بل يطلقون لأنفسهم باب الاجتهاد الشخصي في التحدث عن أي أمر بآرائهم
وهم بالأصل من العوام, حتى انهم اصبحوا يخوضون بعلوم الدين والأديان والعقيدة والتفسير
دون ان يكون لديهم ادنى فكرة عن الأسس الشرعية واللغوية والعلمية للخوض في مثل هذه
الأمور التي تخص الدين وشرائعه, فتراهم يقرأون نصا عابرا لا يدرون ما قبله ولا ما
بعده ويخوضون بحديث تافه لا يسمن ولا يغني من جوع.
أرأيتم
ما الذي يفعله التعلم عن طريق الكتب دون الرجوع للعلماء والمدرسين, قال احد
الحكماء "لا يؤخذ العلم إلا من أفواه العلماء" أي ان العلم يؤخذ عن طريق
معلم ثقة يشهد له بعلمه وبمراجعه الذي تلمذ على أيديهم, حتى يفسر صغير الأمور قبل
كبيرها, كما هي عليها في الكتب.
اذن
نحن على استعداد تام لطلب العلم لكن السؤال ها هنا... عن من نأخذ العلم يا
ترى؟!!!..
ان
مسألة "عن من نأخذ العلم" هي من اخطر الأمور حيث انها المسؤولة عن تحديد
مصيرنا وتوجهنا في العلم لان الأساس ان كان فاسدا فسد البناء كله, فعلينا ان ننتقي
علمائنا ومراجعنا قبل الشروع بالتعلم وان يكون هناك اكثر من عالم ومرجع لدينا ليتم
المقارنة وتحكيم العقل فيما بعد, لأنه مع اختلاف الآراء يبدأ عقل الانسان بالتفكير
الموسع وتفتح آفاق التحليل والتمييز لديه, ان من صفات العالم كما ذكرنا ان يكون
صاحب ثقة وأمانه وغير مضل او من الذين يكتمون المعلومات, وان يكون صاحب برهان
ودلائل ضمن أسس ممنهّجة واصول علمية, ومن الشروط الأساسية لاختيار المعلم الأمثل هو
ان يجد العالم صاحب الاسناد ولديه احترام لمراجعه ويتبين هذا من جرّاء حديثه
بإسناد هذه المعلومة من هذا وتلك من ذاك ويذكر الكتب التي قرأ واستنبط منها حتى
يتسنى لطالب العلم الرجوع للكتب والتمحيص عن اصل الأشياء ومنابتها حيث انه فهم
المبدأ من معلمه وجاء دور التنقيب عن أفكار متجددة ليضيفها او التعديل على ما هو
موجود لكن بشرط تقديم البراهين والأدلة التي تعلل أفكاره حتى يتم الاخذ بها
واعتمادها.
وأود ان اذكر مثال واضح على قضية اختيار المعلم هي
قصة "سيبويه" الفارسي الأصل الذي أراد تعلم النحو واختار ان يكون معلمه الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي
كان عالم عصره في النحو والفصاحة ومنبع اللغة في ذلك الزمان , حيث جدّ سيبويه وتعلم على يد معلمه وتفوّق بعد ذلك عليه
فكما يقولون "غلب التلميذ المعلم", حيث اصبح سيبويه سيد النحو على مر العصور وذلك من خلال تقديم كتابه "الكتاب لسيبويه" الذي لم يقم احد
قبله بمثل هذا الإنجاز في مجال النحو واللغة حيث بسط كل ما يخص علم النحو في كتاب شامل جامع أصبح دستورا ومرجعا لغويا حتى يومنا هذا.
وهناك
قضية أخيرة اود التنويه اليها في مشوار طلب العلم وذلك بالابتعاد عن العلماء الذين
يبالغون في تبسيط العلوم حجة انهم يريدون إيصال المعلومة لأكبر قدر ممكن من الناس
وخصوصا العوام, لان هذا يؤدي الى ضياع المعاني خصوصا عندما تتوارى الازمان وينتقل العلم ببساطته وليس حقيقته الذي هو عليه, فالتبسيط المبالغ في العلم يفقده جوهره
ومضمونه, لذا علينا ان نراعي مثل هذه الأمور في طلب العلم, ولا نزيد على ابن سيرين اذ قال "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
إعداد: سامي عايش عناقره - Sami A. Anagreh

تعليقات
إرسال تعليق